الذكاء الاصطناعي يتحدث العربية.. لكن هل يفهمها فعلًا؟
تبدو إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي بالعربية أكثر طلاقة من أي وقت مضى، لكن أبحاثًا حديثة تكشف استمرار فجوات بين الفصحى واللهجات، وبين إنتاج اللغة وفهم سياقاتها الثقافية. فما الذي يعنيه فعلًا أن يقال إن نظامًا للذكاء الاصطناعي «يدعم العربية»؟

أصبح من المعتاد أن يفتح مستخدم عربي أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي ويكتب سؤاله بالعربية، ثم يتلقى خلال ثوان إجابة تبدو سليمة لغويًا، منظمة وواثقة.
وهذا في حد ذاته تحول كبير. فالنماذج الحديثة تستطيع إنتاج نصوص عربية بمستويات متقدمة، لكن السؤال الأصعب يبدأ بعد ظهور الإجابة على الشاشة:
هل يتحدث النظام العربية فقط، أم يفهم ما يقوله المستخدم العربي فعلًا؟
الفرق بين الأمرين أكبر مما قد توحي به الطلاقة.
عندما لا تكفي الفصحى
العربية ليست نمطًا لغويًا واحدًا يستخدمه الجميع بالطريقة نفسها. هناك العربية الفصحى، لكن الحياة اليومية لمئات الملايين من الناطقين بالعربية تجري أيضًا عبر لهجات محلية تختلف في المفردات والتراكيب والتعبيرات والإشارات الاجتماعية والثقافية.
وهذا يجعل تقييم قدرات الذكاء الاصطناعي بالعربية أكثر تعقيدًا من مجرد اختبار ما إذا كان يستطيع الإجابة عن سؤال مكتوب بالفصحى.
في دراسة منشورة في مؤتمر ACL لعام 2026، قدم باحثون معيار ArabCulture-Dialogue لدراسة الاستدلال الثقافي في الحوارات العربية. وتغطي البيانات 13 دولة عربية، بالفصحى ولهجات الدول المعنية، عبر 12 موضوعًا من الحياة اليومية و54 موضوعًا فرعيًا.
استخدم الباحثون البيانات في ثلاث مهام: الاستدلال الثقافي متعدد الخيارات، والترجمة بين الفصحى واللهجات، وتوليد اللغة باللهجات. ووجدوا أن أداء النماذج كان أضعف في إعدادات اللهجات مقارنة بالفصحى في المهام الثلاث.
لكن الدراسة لا تمثل العالم العربي كله. فهي تغطي 13 دولة لا جميع الدول العربية، كما أن اللهجات قد تختلف داخل الدولة الواحدة. لذلك لا تسمح نتائجها بتعميم درجة واحدة على «العربية» كلها.
ومع ذلك، فإنها تضع علامة استفهام مهمة أمام العبارة البسيطة: «النظام يدعم العربية».
أي عربية تحديدًا؟
خمس لهجات وآلاف الأسئلة
دراسة أخرى منشورة في LREC 2026 قدمت DialectalArabicMMLU، وهو مورد صُمم لقياس قدرات النماذج عبر اللهجات العربية.
بدأ الباحثون بثلاثة آلاف سؤال اختيار من متعدد، ثم ترجموها وكيّفوها يدويًا إلى خمس لهجات: السورية والمصرية والإماراتية والسعودية والمغربية. ونتج عن ذلك 15 ألف زوج من الأسئلة والأجوبة باللهجات عبر 32 مجالًا أكاديميًا ومهنيًا، مع توسيع المقارنة بإضافة الإنجليزية والفصحى.
واختبر الباحثون 19 نموذجًا عربيًا ومتعدد اللغات مفتوح الأوزان، بأحجام تراوحت بين مليار و13 مليار معلمة. وأظهرت النتائج تفاوتًا بين اللهجات واستمرار فجوات في قدرة النماذج على تعميم أدائها من شكل من أشكال العربية إلى آخر.
وهنا تظهر مشكلة لا يستطيع اختبار واحد بالفصحى كشفها. فقد يحقق نموذج نتيجة جيدة في اختبار عربي معياري، بينما تختلف التجربة عندما يستخدمه شخص بلغته اليومية.
الطلاقة قد تخفي المشكلة
وتضيف دراسة أولية حديثة نُشرت على arXiv في 30 أغسطس 2026 زاوية أكثر تحديدًا. الدراسة، التي لم تُنشر بعد ضمن وقائع مؤتمر محكم بحسب سجل النشر المتاح، اختبرت اللهجة والثقافة السعودية من خلال 31 مطالبة وضعها خبراء.
اختبر الباحثون أربعة أنظمة حديثة في 124 تقييمًا، وسجلت الأنظمة وفق منهجيتهم متوسطات كلية تراوحت بين 42.7% و53.1%، ولم يتجاوز أي منها 55%.
الأكثر لفتًا للانتباه أن الباحثين صنفوا 466 حالة خطأ، وكانت فئة «التأطير الملتبس» هي الأكبر بنسبة 37.3%، بينما شكلت الهلوسة الصريحة 11.2%.
قد تبدو الإجابة عربية بطلاقة، بينما تكون المشكلة مختبئة في المعنى لا في اللغة.
هذه الدراسة محدودة النطاق وتركز على السياق السعودي، كما أنها دراسة أولية، ولذلك لا ينبغي استخدامها وحدها للحكم على أداء الأنظمة في العربية عمومًا. لكنها تقدم مثالًا حديثًا على سبب عدم كفاية الطلاقة السطحية مقياسًا للفهم.
وماذا عن السلامة؟
تصبح المسألة أكثر أهمية عندما لا يكون الخطأ مجرد سوء فهم لتعبير يومي.
في 2025 قدم باحثون AraSafe، وهو معيار واسع النطاق للسلامة بُني أصلًا للعربية. وتضم مجموعة البيانات الطبيعية 12,141 مطالبة عربية من مستخدمين، تشمل الفصحى ولهجات عربية ومحتوى ضارًا وغير ضار. وصنفها خبيران ضمن فئة آمنة أو ثماني فئات من الضرر.
كما أنشأ الباحثون 12,264 مطالبة ضارة اصطناعية باستخدام GPT-4o لدعم تدريب مصنفات السلامة. وفي تقييم النماذج على البيانات الطبيعية، وجد الباحثون نقاط ضعف مهمة في اكتشاف المحتوى غير الآمن، مع تفاوت واضح بين النماذج والمهام.
هذه النتائج لا تعني أن كل نظام يفشل بالطريقة نفسها، ولا أن اختبار تصنيف السلامة يعادل كل أشكال الحماية التي تقدمها المنتجات التجارية. لكنها تدعم فكرة أساسية: تقييم السلامة بالعربية يحتاج بيانات واختبارات تراعي اللغة والسياق المحلي، ولا يمكن افتراض أن الأداء في لغة أخرى ينتقل تلقائيًا إلى العربية.
«يدعم العربية» ليست مقياسًا واحدًا
تكشف هذه الدراسات مشكلة أعمق في الطريقة التي نتحدث بها عن دعم أنظمة الذكاء الاصطناعي للغات.
يمكن لنظام أن يكون جيدًا في الكتابة بالفصحى، وأن يجيب عن أسئلة المعرفة العامة، ثم يواجه صعوبة مختلفة في فهم لهجة بعينها أو إدراك سياق ثقافي محلي أو تصنيف محتوى حساس.
كل هذه القدرات ليست شيئًا واحدًا. دعم واجهة أو لغة إدخال شيء، والطلاقة شيء آخر، والاستدلال وفهم اللهجات والثقافة والسلامة قدرات أخرى تحتاج إلى قياس مستقل.
المشكلة أيضًا في طريقة القياس
يشير باحثو ArabCulture-Dialogue إلى أن كثيرًا من معايير التقييم العربية ركزت على نصوص قصيرة بالفصحى، بما لا يلتقط بالقدر نفسه الفروق الثقافية التي تظهر في الحوار. وجاء DialectalArabicMMLU بدوره لمعالجة نقص الموارد الموحدة التي تقيس الفهم عبر اللهجات.
أي أن جزءًا من التحدي لا يتعلق فقط بقدرات النماذج، بل بالسؤال الذي نطرحه عليها وبالبيانات التي نستخدمها للحكم عليها.
هل نقيس القدرة الصحيحة أصلًا؟
ماذا يعني ذلك للمستخدم العربي؟
لا تعني هذه النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي «لا تفهم العربية»، كما لا تسمح بمساواة جميع النماذج أو اللهجات أو أنواع الاستخدام.
الدراسات تستخدم مجموعات بيانات ونماذج ومقاييس مختلفة. وبعضها يختبر نماذج مفتوحة الأوزان، وبعضها أنظمة تجارية حديثة، وبعضها يركز على الاستدلال الثقافي أو اللهجات أو تصنيف السلامة. لذلك لا يصح جمع درجاتها في ترتيب واحد أو تحويلها إلى حكم مطلق على منتج بعينه.
لكنها تكشف مجتمعة أن الطلاقة وحدها ليست مقياسًا كافيًا. بالنسبة للمستخدم، ينبغي ألا تُعامل الصياغة العربية الواثقة باعتبارها دليلًا مستقلًا على صحة الإجابة أو فهم السياق. وبالنسبة إلى مطوري الأنظمة، فإن اختبار الفصحى وحدها لا يغطي التنوع اللغوي والثقافي للعالم العربي.
ما زلنا لا نعرف الإجابة كاملة
الدراسات الحديثة لا تغطي جميع اللهجات ولا كل البلدان العربية ولا جميع النماذج والخدمات التي يستخدمها الجمهور. كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتغير بسرعة، وقد تتغير النتائج مع إصدار جديد للنموذج نفسه.
لذلك لا توجد «درجة عربية» واحدة ثابتة يمكن إلصاقها بأي نظام.
لكن الأدلة المتراكمة تكشف تحولًا مهمًا في السؤال. لقد تجاوزت الصناعة إلى حد كبير مرحلة إثبات أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج العربية. أما الاختبار الأصعب فهو مدى قدرته على التعامل بصورة موثوقة مع تنوع العربية ومعانيها وسياقات مستخدميها.
والفارق بين الاثنين قد لا يظهر في خطأ نحوي واضح.
قد يظهر في إجابة تبدو ممتازة، حتى تقرأها بعين من يعرف ما كان ينبغي أن تعنيه.
المصادر والمنهجية
اعتمد هذا التحليل على مراجعة مصادر بحثية أصلية حديثة حول تقييم النماذج اللغوية الكبيرة بالعربية، مع إعطاء الأولوية للأبحاث المنشورة في مؤتمرات علمية محكمة، وفصل الدراسة الأولية غير المحكمة عن الأدلة المحكمة.
المصادر الأساسية: Cultural Benchmarking of LLMs in Standard and Dialectal Arabic Dialogues، ACL 2026؛ DialectalArabicMMLU، LREC 2026؛ AraSafe، Findings of EMNLP 2025؛ إضافة إلى Beyond Fluency المنشورة كدراسة أولية على arXiv في 30 أغسطس 2026.
قورنت النتائج على مستوى الاتجاهات والاستنتاجات التي تسمح بها كل دراسة، ولم تُدمج درجات الاختبارات المختلفة في ترتيب موحد لأن مجموعات البيانات والنماذج ومنهجيات القياس ليست متطابقة. لا تتضمن هذه المادة اختبارًا أصليًا لأنظمة تجارية بواسطة SP NEWS، ولا تستخدم نتائج الدراسات لإسناد قصور عام إلى منتج بعينه.
